كان اليهودي "شيلوك" قد جمع ثروة طائلة من المال حيث كان يقرض الناس بالربا وكانت مدينه "البندقية" من اشهر المدن التجارية في اوربا ،ويعيش فيها تجار كثيرون من المسيحيين كان من بينهم تاجر شاب اسمه "انطونيو".
كان "انطونيو"ذا قلب طيب كريم ..وكان لا يبخل على كل من يلجأ إليه للاقتراض دون ان يحصل من المقترض على ربا او فائدة.لذلك فقد كان اليهودي "شيلوك" يكرهه ويضمر له الشر بالرغم مما كان بيديه له من احترام .
وفي اي مكان كان يلتقي فيه "انطونيو"و"شيلوك" كان "انطونيو" يعنفه ويوبخه،بل ويبصق عليه ويتهمه بقسوة القلب والاستغلال.وكان اليهودي يتحمل هذه المهانه،وفي الوقت نفسه كان يتحين ايه فرصة تسنح له للانتقام من "انطونيو".
وكان جميع اهالي "البندقية"يحبون "انطونيو" ويحترمونه لما عرف عنه من كرم وشجاعة ،كما كان له اصدقاء كثيرون يعزهم ويعزونه..ولكن اقرب الاصدقاء واعزهم على قلب "انطونيو" كان صديقا شابا اسمه "بسانيو" وهو من طبقة نبلاء البندقية،الا انه كان صاحب ثروة بسيطة ،أضاعها وبددها بالاسراف على مظاهر حياته..وكلما كان يحتاج الى المزيد من النقود ليصرفها ،كان يلجأ الى صديقة "انطونيو" الذي كان لا يبخل عليه ابدا ويعاملة بكل كرم يليق به كصديق.
وفي احد الايام قال"بسانيو" لصديقه "انطونيو" إنه مقبل على الزواج من فتاه ثرية ورثت عن ابيها ممتلكات وثروة كبيرة..وإنه يحتاج الى ثلاثة آلاف من الجنيهات حتى يبدو مظهره امامها كعريس يليق بها .
ولكن "انطونيو" لم يكن يمتلك هذا المبلغ ..ولكنه كي يلبي طلب صديقه ،قرر ان يقترض هذا المبلغ من اليهودي "شيلوك" ..على ان يرد له هذا الدين وفوائده فور وصول سفنه المحملة بالبضائع.
وذهب الصديقان الى "شيلوك" وطلب "انطونيو" منه ان يقرضه مبلغ ثلاثه الاف من الجنيهات بأي نسبة فائدة يطلبها،ووعده بأن يرد اليه القرض وفوائدة عند وصول السفن في موعد قريب..
هنا...سنحت الفرصة التي كان يتحينها اليهودي "شيلوك" لــ "انطونيو" ..ودارت في ذهن اليهودي افكار الشر والأذى والانتقام... وظل يفكر طويلا فيما عساه يصنعه بهذا التاجر الذي يعطي للناس نقودابلا فائدة:هذا التاجر الذي يكرهني ويكره شعبنا اليهودي كله ..إنه يسبني ويلعنني ويسمني بالكافر..وبالكلب الأزعر ..ويبصق على عباءتي كلما رآني ..وها هي الفرصة قد سنحت امامي لكي انتقم..واذا لم اغتنم هذه الفرصة فلن يغفر لي ذلك اهلي وعشيرتي من اليهود الآخرين..
قال "شيلوك"وهو يخفي الحقد والكراهية في قلبه: يا سنيور"انطونيو" كثيرا ما شتمتني ولعنتني وركلتني بقدمك كما لو اني كلب من الكلاب وهأنت ذا جئتني وتطلب مني ان اساعدك بثلاثة الاف من الجنيهات فهل تظن يا سيدي ان كلبا يمكنه ان يقدم لك مثل هذا القرض..؟!
فقال "انطونيو" بشجاعه: حتى لو اقرضتني هذه النقود،فسوف اظل ادعوك كلبا واركلك بقدمي وابصق عليك وعلى عباءتك..اقرضني هذه النقود وافرض عليها ما شئت من فوائد تطمع فيها.. وسوف يكون لك الحق في ان تفرض على ما شئت من عقاب اذا لم اردها اليك في الوقت المتفق عليه.
وعندئذ قال "شيلوك"بكل خبث ودهاء إنه على استعداد أن يقدم لانطونيو هذا القرض بدون فوائد على الاطلاق!!! ولكن بشرط واحد هو ان يذهبا معا الى المحامي ،وان يوقع "انطونيو"على عقد يبدو كما لو كان مزاحا،يتيح لليهودي "شيلوك" أن يقطع رطلا من لحم "انطونيو" ومن اي جزء يختاره "شيلوك" من جسم "انطونيو" وذلك اذا لم يرد اليه الالاف الثلاثة من الجنيهات في موعد محدد!!!!!
وحاول "بسيانو"ان يثني صديقه"انطونيو" عن توقيع هذا العقد اليهودي الماكر...ولكن "انطونيو" صمم على التوقيع دون خوف ....لأن سفنه وبضائعه ستصل قبل ان يحل موعد السداد بمدة كافية...ولن تكون هناك فرصة امام "شيلوك"لتنفيذ هذا المزاح...
وهكذا وقع "انطونيو" على العقد...!
أما الفتاه التي يحبها "بسيانو" ويتمنى الزواج منها "بوريشا" كانت تتمتع الى جانب أخلاقها الرفيعة ورجاحة عقلها بثروة طائلة ورثتها عن ابيها..وكانت "بورشيا" تعيش في منطقة "بلومنت" القريبة من البندقية.
وبعد أن حصل "بسانيو" على النقود، التي اقترضها صديقه "انطونيو" من اليهودي "شيلوك" أخذ طريقة الى "بلمونت" ليعرض الزواج على "بورشيا" ووافقت "بورشيا" على الزواج من "بسانيو"بسعادة غامرة...واعترف لها "بسانيو" بأن ممتلكاته قليلة .وأن الشئ الوحيد الذي يفخر به هو انتماؤه الى اسرة عريقة من النبلاء .فقالت له "بورشيا" إنها تهبه نفسها وكل أملاكها وأنه من الآن هو رب البيت ومن حقه أن يتصرف في كل شئ وخلعت الخاتم من اصبعها وأهدته إليه،وطلبت منه الاَ يفرط في هذا الخاتم ابدا..
ولكن لحظه الهناءهذه لم تستمر طويلا فقد وصل الى "بسانيو" خطاب يتضمن أنباء مزعجة ومفزعه،وكان الخطاب يقول: "عزيزي بسانيو"...فقدت كل سفني ولم اعد استطيع سداد القرض "لشيلوك" بعد ان حل موعد الدفع ومعنى ذلك ان اليهودي سيقطع رطلا من لحمي من اي جزء من جسمي وسوف تنتهي حياتي وكل ما اتمناه ان اراك قبل موتي !!!
فشحب وجهه وسألته "بورشيا" ،فقال لها بكل صدق إنه مدين لصديقة العزيز "انطونيو" بمبلغ ثلاثة الاف من الجنيهات...وقد اقترض صديقه هذا المبلغ من اليهودي "شيلوك" بناء على عقد يعطى لليهودي الحق في قطع رطل من لحم "انطونيو" اذا لم يسدد اليه القرض في موعد محدد..
وسافر "بسيانو" الى البندقية فوجد "انطونيو" محبوسا بالسجن..
وحاول "بسيانو" ان يتفاهم مع اليهودي الذي رفض قبول الثلاثة الاف من الجنيهات التي قدمها اليه "بسيانو" واصر على ان يقطع رطل من لحم "انطونيو" طبقا لما تم الاتفاق عليه في العقد وبعد ان فات ميعاد السداد..
وتحدد موعد للمحاكمه امام دوق البندقية ووقع "بسانيو" في قلق بالغ وحيرة شديدة..
كان احد اقارب "بورشيا" محاميا كبيرا اسمه "بلاريو" فقامت بالكتابه اليه بكل تفاصيل المشكلة وطلبت منه ان يعطيها النصيحة في كيفية الدفاع كما طلبت منه ايضا ان يعيرها روب المحاماه حتى يمكنها الوقوف به امام المحكمه وسرعان ما وصلها رد المحامي "بلاريو" متضمنا كل النصائح والتفاصيل خطوة خطوة.
وهكذا تزيت"بورشيا" بدور المحامي وشدتا الرحال الى البندقية.
ودخلت الى قاعة المحكمه التي كانت منعقدة برئاسة دوق البندقية ومجموعه من المستشارين.وسلمت "بورشيا" الى المحكمه خطابا بتوقيع المحامي الكبير "بلاريو" يقول فيه انه كان ينوي الحضور الى البندقية للدفاع بنفسة عن "انطونيو" ولكنه يعتذر عن الحضور بسبب مرضة.
ويفوض الشاب المثقف الدكتور"بالتازار" وهو الاسم الذي سميت به "بورشيا" ليقوم بالدفاع نيابه عنه ..وقبل الدوق هذا الخطاب ووافق على ان يقوم الدكتور"بالتازار" بالدفاع عن " انطونيو" بالرغم من صغر سنه وبالرغم من ملامحة الغضة الرقيقة التي تشع بالنضارة....!
ودارت "بورشيا" بعينيها في قاعة المحكمه وشاهدت خصمها اليهودي الجشع"شيلوك" الذي خلا قلبه من الرحمه كما وشاهدت زوجها "بسانيو" الذي لم يستطع التعرف عليها وهي مرتدية ملابس الرجال وروب المحاماه وكان واقفا الى جوار صديقة الحميم "انطونيو" وقلبه مفعم بالحزن والاسى..
وقالت "بورشيا" او"الدكتور بالتازار المحامي" دفاعا عن "انطونيو" انه طبقا لقوانين البندقية فلا بد من تنفيذ الاتفاق الذي تم في هذا العقد .
وطلبت العقد من "شيلوك" لتقرأه ثم قالت ان هذا الاتفاق يعطي الحق لليهودي "شيلوك" ان يقطع رطلا من لحم "انطونيو" ولكن الرحمة ضرورية وواجبه ...إن تحقيق العداله لا بد ان يتم بالرحمه. وظلت تستعطف اليهودي لكي يكون رحيما بخصمه ما دام الدين قادرا على رد الدين ودفع الثلاثه الاف من الجنيهات.
وعندئذ قال "بسانيو" انه مستعد ان يرد لليهودي هذا المبلغ اضعافا مضاعفة ولكن "شيلوك" لم يستجب لاي عرض ،واصر على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في العقد وان يقطع رطلا من لحم "انطونيو".
وهنا تظاهرت "بورشيا" بقبولها لحكم القانون والتفتت الى "انطونيو" وطلبت منه ان يكشف صدرة ويستعد لهذه العملية القاسية التي سيقوم بها اليهودي ..
واخذ اليهودي يسن سكينه الحادة..
تساءلت"بورشيا" عن وجود الميزان الذي سيستخدم في وزن رطل اللحم وقالت لليهودي :قبل ان تقوم بقطع الرطل من لحم"انطونيو" يجب ان تحضر طبيبا حتى لا ينزف دمه الى ان يموت..
فقال "شيلوك" بغيظ: ان ذلك غير منصوص عليه بالعقد.
فقالت "بورشيا":نعم ان العقد يعطيك الحق في رطل من لحم "انطونيو" ولكنه لا يعطيك الحق في ان تجعله ينزف دما..ان إراقه الدماء جريمه يعاقب عليها القانون.. فعليك ان تقطع رطل اللحم دون ان تريق ولو قطرة واحدة من دم هذا المسيحي..والا فإن قوانين البندقية ستطبق عليك فورا...فتصادر جميع ممتلكلتك وجميع بضائعك واموالك وتصبح حقا لحكومه البندقية!
وهنا هلل جميع الحاضرين في المحكمه فرحين..لقد اصبح من المحال على اليهودي "شيلوك" ان ينفذ خطته الوحشية الدنيئة لذلك فقد اضطر الى الاستسلام فورا وان يقول في يأس:إذن اعطوني نقودي وسانصرف الى حال سبيلي!
عندئذ صاح "بسانيو" متسرعا :ها هي نقودك فخذها ..ولكن "بورشيا" قاطعته قائله:انتظر ...ان العقد لا ينص الا على حق اليهودي في ان يقطع رطلا من لحم مدينه اذا فات ميعاد السداد ولم يقم المدين برد الدين فإذا استطاع اليهودي ان يقطع رطل اللحم دون ان يريق دم المدين فعليه ان يقوم بذلك الان ثم ان اليهودي قد ارتكب جريمه يعاقب عليها قانون البندقية ...هذه الجريمة هي التآمر على حياة احد مواطني المدينه ولأنك يا "شيلوك" قد تآمرت على حياة "انطونيو" فإن جميع اموالك ستصادر لصالح حكومه البندقية .... اما حياتك او اعدامك..فذلك امر متروك لرحمه الدوق رئيس المحكمه ليحكم ضدك بما يشاء طبقا للقانون فهيا اركع على ركبتك والتمس العفو عنك او الرحمه بك!!
وقال الدوق رئيس المحكمه : لقد عفونا عنك دون ان تتوسل الينا اما ثروتك وممتلكاتك فقد حكمنا بمصادرتها على ان يؤول نصفها الى "انطونيو" الذي كنت ستتسبب في موته..ويؤول النصف الاخر الى حكومه البندقية.
ولأن "انطونيو" كان طيبا وكريما فقد أبدى استعداده للتنازل عن نصيبة الى "شيلوك" بشرط ان يوقع على وصية تنص على ان تؤول ثروته بعد موته الى ابنته وزوجها...
فقد كان "انطونيو" يعلم ان لهذا اليهودي ابنه وحيدة احبت وتزوجت شابا مسيحيا اسمه"لورنزو" وهو صديق عزيز من اصدقائة..فغضب اليهودي على ابنته وقرر ان يحرمها من ميراثة وتركته بعد موته ..
واستسلم اليهودي ولم يجد مفرا...واضطر ان يقبل كل ذلك وبعدئذ حكم الدوق بإطلاق سراح "انطونيو" وانتهت المحاكمه .
رواية
تاجر البندقية
للكاتب الانجليزي / وليم شكسبير
تحياااتي