من أعلام الأدب الفرنسي
غـوســـتـاف فـلــــوبـيـر
1821 ــ 1880
ولد غوستاف فلوبير في مدينة " روان " بفرنسا في 12 كانون الأول عام 1821، وكان أبوه يومئذ في السابعة و الثلاثين ، و أمه في السابعة و العشرين ، و رغم أن الصبي نشأ في كنف أسرة سعيدة ، رفيعة المكانة ، إلا أن حسه المرهف ، و خياله الجامح ، أضفيا على نفسيته ذلك الشعور بالوحدة ، أو بالوحشة الداخلية كما قد يعزى تشاؤمه منذ مطلع شبابه إلى أن الرومانسية كانت يومئذ في عهد ازدهارها ، و التشاؤم كان " موضة العصر " أو إلى نوبات الصرع الغامض الذي لازمه طوال حياته ، و أدى إلى عزوفه عن الزواج.
أدخل فلوبير المدرسة لأول مرة متأخرا عن الوقت المناسب سنوات ، إذ كان قد تجاوز العاشرة بشهور حين ألحق بمدرسة " الليسه " في " روان " و لعل ذلك كان المنبع الأول لنزعة الخجل التي لازمته بعد ذلك ، ربما لأنه وجد نفسه بين زملاء متفوقين عليه في الدراسة بحكم الأسبقية ، فكانت تلك بذرة من بذور مركب النقص الذي عانى منه طويلا .
و قد ساهمت في تغذية مخيلة فلوبير قبل إدخاله المدرسة ، خادمة الأسرة الوفية التي ظلت في خدمتها ثمانية و خمسين عاما،دأبت خلاله على إشباع خياله بطوفان من الحكايات و الأقاصيص ، فلما التحق بالمدرسة بدا ميله واضحا إلى دراسة التاريخ ، و شغف بقصصه .
أولع فلوبير منذ يفاعته بقراءة ـ هيجو ، وشكسبير ، وبيرون ، و غوته ، وروسو ـ لكن هيجو كان أحبهم إليه ، و حين قدر له أن يزوره في بيته كتب يقول : (( لقد استمتعت برؤيته عن قرب فحدقت به مشدوها كما أحدق في إناء مملوء بملايين الجواهر الكريمة ، مدققا النظر في يده اليمنى التي كتبت كل تلك الروائع الجميلة )) .
و قبل أن يشب عن الطوق ألف عدة مسرحيات ، و قام بتمثيل دور البطولة فيها مع أخته على مسرح البيت الذي لم يكن سوى مائدة الطعام ، لكن هذه المسرحيات لم تعجبه ، فترك ميدان المسرح إلى كتابة القصص و الموضوعات غير التمثيلية مثل " الشهوة و الفضيلة " و " رقصة الموت " و " النزع " و " مذكرات مجنون " .. كما كتب أبحاثا و مقالات عن " روما و القياصرة " و " أدب رابليه " و " جنازة الطبيب ماتوران " و " أدب الشاعر كورني "..
لقد كتب فلوبير كل هذه القصص و المقالات خفية من أبيه الطبيب الذي كان يريد أن يجعل ابنه جراحا بارعا مثله ، و مثل ابنه الآخر < أشيل > و لما نال الشهادة الثانوية صارح والده بأنه لن يصير طبيبا ، فاقترح عليه أن يكون محاميا ، و قرر إرساله إلى باريس ليدرس القانون ، لكنه لم يلبث أن ضاق ذرعا بكتب القانون و بالجامعة و باريس ، و صمم على أن يحترف الأدب ، و انكب على قراءة كتاب " دون كي شوت " لسرفانتس ، و قد صار هذا الكتاب المنبع الأول لفلسفته ، و الأساس لمبادئ إيمانه ، و تحت تأثير هذه الفلسفة كتب عددا من المسرحيات و الروايات الطويلة التي تدور حول الجوانب القاتمة من الحياة.
* * * * *
في عام 1845 مات والد فلوبير ، ثم تبعته بعد شهرين أو ثلاثة أخته الوحيدة ـ كارو لين ـ التي كان يحبها حبا جما ، لأنها كانت رفيقة صباه الأثيرة ، وصديقته الملازمة إلى ما قبل زواجها ، و كان والده قبل وفاته قد اشترى ضيعة على ضفة نهر السين تدعى { كرواسيه } يتوسطها منزل حجري قديم و جميل ، فاستقر فلوبير في هذا المنزل ، و ظل مقره الدائم حتى نهاية حياته.
كان مرض الصرع الذي لازمه طوال حياته أحد العوامل التي حالت بينه و بين أن يحيا حياة طبيعية ، وقوت من عزمه على اختيار الأدب حرفة له ، فالأدب أنسب مهنة لمن ينشد العزلة و الابتعاد عن الناس و المجتمع .
اختار فلوبير لنفسه غرفة واسعة في الطابق الرضي تطل نوافذها على حديقة المنزل و على نهر السين ، و ألزم نفسه بنظام و عادات صارمة ، إذ كان ينهض من فراشه في العاشرة صباحا ، فيطالع الصحف و الرسائل الواردة إليه ، ثم يتناول غداء خفيفا في الحادية عشرة ، و يقضي الساعتين التاليتين متكاسلا في الشرفة ، أو جالسا في جناحه يقرأ ، حتى إذا حانت الساعة الواحدة ، أكب على الكتابة حتى الساعة السابعة مساء ، و عندئذ يتناول عشاءه ، ثم يخرج ليقوم بجولة في الحديقة ، يعود بعدها ليستأنف الكتابة حتى ساعة متأخرة من الليل ، و لم يكن في عزلته تلك يرى أو يقابل أحدا ، عدا بضعة أصدقاء كان يدعوهم بين حين و آخر كي يقضوا أياما في ضيافته .
* * * * *
خفق قلب فلوبير للحب منذ أن كان طالبا في الخامسة عشرة من عمره و أحب أكثر من واحدة ، كانت أولاهن فتاة إنكليزية تدعى ــ هنرييت كولييه ــ كان أبوها ملحقا بحريا لبلاده في فرنسا ، أسرت قلبه بعذوبتها و عاطفيتها ، لكن تعلقه بها لم يتجاوز الإعجاب البريء .
أما الثانية فكانت السيدة ــ اليزا شلي سنجر ــ التي كانت تكبره بتسع سنوات ، و كان يصحبها مع زوجها و طفلها في النزهات و الرحلات و وجبات الطعام ، لكنه لم يجرؤ على البوح لها بحبه ، و حين صمم آخر الأمر على أن يخرج عن صمته ، لم تغضب و أفهمته أنها ليست على استعداد لأن تغدو بالنسبة له أكثر من صديقة !
و في عام 1846 وقع في حب الشاعرة السيدة ــ لويز كوليه ــ التي حظيت بمكانة مرموقة في الأوساط الأدبية ، بفضل جمالها لا بفضل موهبتها الأدبية ، و كان لها صالون أدبي يؤمه عدد كبير من الشخصيات الأدبية البارزة في مجتمع ذلك العصر ، و كانت في الثامنة و الثلاثين ، أما هو في الخامسة و العشرين ، و لم يمض على لقائهما أكثر من ثمان و أربعين ساعة حتى صار عشيقها ، و بعد ثلاثة أيام تركها تذرف الدموع ، و عاد إلى منزله في " كرواسيه " ، و في الليلة ذاتها كتب إليها الرسالة الأولى من سلسلة رسائل حبه التي لم يكتب عاشق إلى عشيقته أغرب منها .
و قد التقيا ست مرات فقط خلال العامين اللذين استمرت فيهما علاقتهما ، و كانت هي التي بدأت القطيعة ، حين اعتذر فلوبير عن الزواج منها ، لأنه كان خال الذهن ، منصرفا عن كل ما يتعلق بالزواج .
* * * * *
في عام 1850 رحل فلوبير إلى الشرق بصحبة صديقه ــ مكسين ده كامب ــ و قد أوحت له هذه الرحلة التي استمرت أكثر من عام أكثر من مشروع روائي ، و قال في تعليقه على هذه الرحلة :(( لن أنسى يوما الألوان التي رأيتها ، و الأصداء التي سمعتها في مصر على ضفاف النيل ، و في سورية و فلسطين و مالطة و القسطنطينية و اليونان ، و قد لمست في الأهرام سحرا خاصا ، فلم نكد نبلغ سفح التل الذي تنهض فوقه تلك الأهرامات الهائلة ، حتى تركت جوادي يطوف بي حولها ، و أنا كالمذهول )) .
و حين استوى به المقام بعد العودة من هذه الرحلة الشاقة ، فكر بوضع رواية تستمد أحداثها من الواقع ، فكانت " مدام بوفاري " التي تدور أحداثها حول طبيب يعمل في مستشفى "روان" متزوج من أرملة تكبره في السن ، فلما ماتت تزوج فتاة حسناء لأحد المزارعين في قرية قريبة ، و انتقل ليمارس مهنته في تلك القرية ... لكن الزوجة الشابة كانت ذات طموح و نزوات ، فقد ألفت منذ صباها أن تعيش في الخيال ، وراء الأفق ، و اعتنقت فكرة أن < ثمار الحقل المجاور أشهى مذاقا من ثمار الحقل الذي تملكه !>... فلم تكد تطرح بهجة الزواج الأولى وراء ظهرها ، حتى ضاقت بحياتها الراكدة ، المحدودة الأفق في كنف زوجها الغبي ، و ازداد بمرور الأيام نفورها من حياة الريف ، و خوار أبقار المزرعة ، و رائحة حظائر الماشية ، فتطلعت إلى فارس الأحلام الذي ينقلها من تلك البيئة الكريهة إلى عالمها الخيالي المرموق ، فألقت بنفسها في أحضان أول عاشق لاح في أفق حياتها ... لكنه هجرها، فارتمت بين ذراعي آخر !.. و ظلت تتلقفها أحضان الرجال ، و تتقاذفها رغباتهم العابرة ، ثم ينبذونها فتهوي من مذلة إلى مذلة ، ومن ضعة إلى ضعة ، و هي أثناء ذلك كله تبدد أموال زوجها ، و تقترض و يطاردها الدائنون ، حتى تمسي حياتها خليطا بشعا من اليأس و الاضطراب و الجزع ! و لا يخلصها من عذابها غير النهاية المفجعة التي اختارتها الأقدار لها و لزوجها !
* * * * *
يعود الفضل في تأليف رواية "مدام بوفاري" إلى صديقه ــ بوييه ــ الذي أوحى لفلوبير بفكرتها ، و راح يلح عليه و يحثه على البدء بها حتى أقنعه بعد مناقشات طويلة بأن يكتب ملخصا قصيرا ، فلما اطلع عليه أعجبه .
بدأ فلوبير بكتابة رواية "مدام بوفاري" عام 1851، و كان فيها مثالا للفنان المجود الذي يصقل و يعيد صقل عباراته بلا ملل ، حتى إنه كان يقضي أحيانا يوما كاملا في الكتابة حتى يخرج منه بمحصول لا يزيد على سطرين ، و كان في أسلوبه يحذو حذو أساتذة البيان من أسلافه ، و على الخص لابرويير ، و مونتسيكو ، إذ كان يؤمن بأن النثر يجب أن يكون مصقولا ناعما موسيقيا موزونا كالشعر ، و في الوقت نفسه منطقيا ، يلتزم المعاني بدقة وأمانة كاملتين .
كان يرى أنه ليس هناك طريقتان للتعبير عن المعنى الواحد ، وإنما طريقة واحدة ، فإن اللفظ يجب أن يطابق المعنى مثلما يطابق القفاز اليد .. كما إن مجموعة الألفاظ التي تتألف منها الفقرة الواحدة ، أو الصفحة في الكتاب ، يجب أن تكون موسيقية بالغة حد الكمال ...
لم تكن الكلمة في نظره مجرد رسول ينقل الفكرة إلى القارئ ، و إنما كانت كيانا حيا له صوت و رائحة و شخصية و روح ...
و كان يحرص كل الحرص على أن لا يستعمل الكلمة الواحدة مرتين في الصفحة الواحدة ، فإنه من الخطأ أن يتحدى الكاتب أذن قارئه ، كما أنه من الخطأ أن يتحدى قلبهم .
و كان يستخدم كل براعته في التأليف بين الكلمات و العبارات كي يوحي بما كان يستشعره أحد أبطال القصة مثلا من حالة نفسية : من لهفة أو تراخ ، من تعب أو راحة ، من انفعال أو بلادة .... بل إن براعته الذروة حين يصف الملل أو الضجر الذي كانت تعاني منه "مدام بوفاري" بطلة القصة في عشرات الصفحات ، دون أن يجعل الملل يتطرق إلى القارئ ، فهو يسرد سلسلة طويلة من الوقائع التافهة الضئيلة القيمة ، لما تفعله "إيما بوفاري" و تشعر به أو تراه أو تفكر فيه .
و قد كانت طريقة فلوبير في الكتابة أن يكتب مسودة لكل ما يعن له من أفكار بصدد الموقف الذي يصوره ، ثم يعود فيحذف و يؤخر أو يقدم في العبارات ، أو يعيد كتابتها ، حتى يحصل على النتيجة التي ينشدها ، و عندئذ يخرج إلى الشرفة فيروح يتلو ما كتب بصوت مسموع ، فإذا وجد فيه شيئا من النشاز ، عاد إلى مكتبه فانكب عليه ينقحه و يهذبه .
إن الصبر العجيب ، والدقة الهائلة ، و الخيال القدير على تصور و تصوير أضأل التفصيلات و التوافه ، هو سر طابع الصدق و الواقعية اللذين تتسم بهما الرواية ، مما يجعلنا لا نكاد نلتقي بأشخاصها حتى نحس بأنهم أحياء يعيشون في عالمنا ، و نشاركهم مشاعرهم ، و ننسى أنهم أبطال وهميون في قصة مؤلفة .
* * * * *
حين نشرت رواية "مدام بوفاري" مسلسلة في مجلة ــ ريفوري باري ــ سنة 1857 أقبل عليها القراء بحماسة منقطعة النظير ، و حين طبعت في كتاب لقيت على الفور رواجا كبيرا ، لكن النقاد حملوا عليها ، و اتهموا مؤلفها بأنه مريض بالجذام الخلقي ، ثم ألقت السلطات القبض على فلوبير ، و حكم ببراءته .
بقي فلوبير قابعا في منزله ، كراهب في صومعة ، غير آبه بعواصف التصفيق أو حملات التقريع ، و بين حين و آخر كان يطلع على الناس برواية جديدة ، فكتب على التوالي : [ سالامبو ] (1858 ــ 1862) التي تجري حوادثها في " قرطاجنة" القديمة ، وقد سافر من أجلها خصيصا إلى تونس ، كي يدرس الجو الذي يمكنه من كتابتها ، لكنها جاءت قصة فاشلة ، ثم أعقبتها [ التربية العاطفية ] (1863 ــ 1869) التي صور فيها حبه لأليزا شلي سنجر ، و يعتبرها كثيرون من أروع رواياته .
تتابعت الأعوام ، و تزوجت ابنة أخته كارو لين التي كانت تعيش مع أمه و معه في البيت ... و في سنة 1872 ماتت أمه ، فغادر "كرواسيه" إلى باريس ، لكنه عاش نفس العزلة التي عاشها في "كرواسيه"...و في سنواته الأخيرة عاد إلى عزلته الموحشة في "كرواسيه" حيث صار يقضي أكثر العام ، و لا يذهب إلى باريس إلا نادرا كي يثرثر مع جورج صاند ، أو يتناول العشاء مع فيكتور هيجو ، و صار يفرط في الطعام و الشراب و التدخين ، و تضاءلت موارده المالية .
و كان آخر عمل أدبي أصدره فلوبير في حياته عام 1877 كتابا بعنوان [ ثلاث قصص ] تضمن قصته القصيرة الممتازة [ قلب بسيط ] و أخذ يعد العدة لكتابة روايته الأخيرة [ بوفار و بيكوشيه ] التي عزم على أن يحمل فيها حملة جديدة على غباء الجنس البشري ، و كان ينوي أن يصدرها في جزأين ، لكنه لم يكن قد فرغ إلا من كتابة الجزء الأول ، حين دخلت الخادمة حجرة مكتبه في الساعة الحادية عشرة من صباح يوم 8 أيار 1880 كي تقدم إليه الطعام فوجدته ملقى على الأريكة يتمتم بكلمات متقطعة غير مفهومة ، فسارعت إلى إحضار الطبيب ، لكنه لم يستطع أن يفعل شيئا ، و بعد أقل من ساعة لفظ آخر أنفاسه.
أرجو أن ينال أعجابكم