
05-11-2007, 09:56 PM
|
مشرفة سابقة | |
| | | | | | | | | | | | | | | | | | | | معلوماتي ومن مواضيعي | | | | |
|
| المنتدى :
القصص منابت الخيل ابتعد ( هادي ) و ( فادي ) من وجه وحش الحديد اللاهث في شوارع القرية واختفيا بين الأعشاب والسنابل التي تمردت وتطاولت برؤوسها ، لا تخاف الطلقات المطاطية ولا القنابل الغازية .
وجلسا تحت الأشجار التي تطامنتْ أغصانها المثقلة بالثمار حتى كادت أن تقبّل خدّ التراب .
هناك دار بينهما حديثٌ ذو شجون ، بل حديثٌ ذو جنون :
( هادي ) ـ سمعت اليوم شائعة تقول : إن أحد المستوطنين لديه خطة كي يسجن البحر في زجاجة ، ويحبس السحاب في زجاجة أخرى.
بل قيل : إنه يعد مشروعاً لاصطياد النجوم ليضعها في قفص من حديد .
قال ( فادي ) : أخشى أن يأسروا الشمس والقمر ، فقد رأيت مستوطناً آخر يحمل شبكةً ويتجه شرقاً ، لعله يريد أن يضع الشمس فيها ، فلا يطلعُ علينا النهار ، ولا شك أنهم يعدون العدة كي يحتكروا الليل فيحرمونا من النوم .
وبينما هما كذلك ، إذ سمعا صوتاً قريباً ومريباً ، رفعا برأسيهما شيئاً فشيئاً ليريا صاحب الصوت ، لعله صياد النجوم وخشيا أن يضعهما في شباكه مع ما يضع فلما نظرا ، فإذ به أحد كلاب القرية يبحث عن عظمة ، وانفجرا ضحكاً عندما رأياه يرفع رجله العرجاء ليبول بجانب صخرة ، واستلقيا على ظهريهما ، وشخصا بأبصارهما إلى السماء .
يمر سربٌ من الطيور مغرداً ، لا يبالي بما يجري على الأرض من رعب وخوف ، ولم يكنْ يخطر ببال الصبيين أن الذين عجزوا عن اصطياد هذه الطيور الضعيفة هم أضعف من أن يصطادوا الشمس والقمر والنجوم ، وهم أصغر من أن يحتكروا الليل والنهار ....
راحت الشمس تلم ضياءها المجروح عن دنيا الألم ، لتبيت خلف البحر تتوسد موجة طافية ، فلا تستيقظ حتى نداء الفجر ، تسلل هادي وفادي وعاد كل منهما إلى داره .
تصرخ أم هادي ، ألم أقل لك ـ يا ملعون ـ : لا تخرج في هذه الأيام العصيبة يصمت هادي ولا ينبت ببنت شفة ، وقد عضه الجوع وتلبسه الخوف من العقاب .
تابعت أم هادي موال التهديد قائلة : حسابك حين يعود أبوك ، فقد خرج يبحث عنك من قبل العصر أما تعلم أن لك أخوين وراء الشمس ؟
أم إنّ القدر لا تركب إلا على ثلاث ؟
فلما عاد الأب واطمأن على صغيره تهاربت من رأسه كل أفانين العقاب التي رسمها في مخيلته لطفله الطافش في السهول والوديان .
دخل الغرفة التي فيها الصغير ، فإذا هو مكوم ككرة الخرق ، لا يظهر منه إلا عيناه من وراء يديه المشبكتين وكأنهما عينا نمر صغير أعيد إلى ( السرك ) قسراً .
يا ولد ( هاي آخر مرة ) لا تخرج بدون إذني .
قم واغسل وجهك ويديك وتعال تعشى .
يلتهم الصبي من العشاء ما استطاع ، ويسارع إلى جدته المقعدة ، صحيح أنها معقدة جسدا ، ولكنها ليست كذلك قلباً وروحاً .
احتوت الجدة الصغيرة ، ووضعت رأسه على صدرها فسمع دقات قلبها قوية متراتلة ، كأنها الموج يضرب الشاطئ ثم يعود من حيث بدأ ، وكأنما لم يمر عليه تسعون عاماً من الجهد والشقاء .
*
أصحيحٌ يا جدة أنهم سيختزنون البحر في زجاجة وسيحتكرون الليل والنهار والشمس والقمر .. ؟
*
لا شك أنهم يحاولون ذلك .
*
ولكن يا جدة .
إذا حبسوا البحر والسحاب ، واحتكروا الليل والنهار واعتقلوا الشمس والقمر والنجوم ... فماذا سيبقى لنا ؟ .
سيبقى الكثير يا بني .
سيبقى لنا الحجر الذي يكسر زجاجتهم ، فيفيض عليهم الماء ويغرقهم كطوفان نوح .
ويبقى لنا منجل الحصاد الذي يقطع شباكهم فتندلق عليهم الشمس جحيماً ، وتبقى لنا الفأس التي تكسر أقفاصهم ، فتخر عليهم النجوم شهباً تحرقهم كالشياطين ولكن دعك من كل هذا ، ألم تسمع بما قالت أم علي جارتنا هذا المساء ؟
قالت : إنها رأت الخيل العربية الأصيلة تنبت مع الفطر والزعتر والدحنون ، وتقسم إنها رأت أعرافها تخرج من بين شقوق الأرض .
ولكن يا جدة ، إذا حبسوا السحاب في زجاجة فكيف ستنبت الخيل ؟
يا بني ، إن الخيل العربية ، لا ينبتها ماء السماء ، ولكن تنبتها دماء الشهداء .
| | | |